الخميس، 16 أغسطس 2012

ضيفنا رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم





 علمتني أمي أن أستقبل ضيف في كل عام و لمدة شهر و أن أحسن ضيافته ، و من ثم نورني ديني بمكانة هذا الضيف العالية و الرفيعة. أحببت هذا الضيف و توطدت علاقتي به حتى أصبحت لا أطيق فراقه ، و أشتاق له حتى في وجوده. أصبح ضيفي أقرب من الحبيب و أوفى من الصديق. يقولون أن الحب إن عرف طريق الدخول إلى القلب أضاع طريق الخروج ، هكذا هو حالي مع ضيفي.

 ضيفي هو ضيفكم و ضيفنا جميعاً. هو أطهر الأشهر، أروع الأيام ، أنقى الساعات ، أسرع الدقائق ، أغلى اللحظات. هو الشهر الذي يجمع فيه شمل الأسرة و يلين قلوب المتخاصمين. هو الشهر الذي يستقبله الجميع بصدر رحب و إبتسامة إشتياق. هو الشهر الذي يعلمنا الصبر و الهدوء. هو شهر الرحمة، شهر المغفرة ، شهر الطاعة. هو الشهر الذي نتضرع بالدعاء ليبلغنا إياه الله ، و من ثم نتضرع بالدعاء فيه. هو شهر دون وسوسة الشياطين ، حيث تحبس في هذا الشهر. هو شهر رمضان المبارك.

 
 تربينا على حب رمضان فمن السهل زرع العادات و القيم في الطفل و لكن إن تأسس بشكل خاطئء بعدها يصعب التغيير. فالعقل كالفخار يسهل عليك تشكيله في بداياته ، لكن إن تكون يصعب عليك تشكيله مرة أخرى ، هكذا هو حال التربية.

ترعرعنا على حب الخير و من يحب الخير لابد و أن يحب شهر الخير رمضان. نستقبل رمضان كل عام و نحن متشوقون ، و تتغير كل القواعد و الظروف في هذ الشهر. تختلف ساعات العمل و يعم الهدوء في صباح كل يوم. ترى الإبتسامة موزعة على كل الوجوه و تحمد الله على نعمة الإسلام. يصطف المصليين في المساجد خلف الإمام بغض النظر عن الجنسية أو لون البشرة أو حتى المكانة الإجتماعية ، فبين يدي الله كلنا سواء . في طريق العبادة لا تتعب أقدامنا لأننا نعلم جيداً أنها ليست خطوات بل حسنات، فسبحان من يسر لنا المسير إلى بيت من بيوته لعبادته. و العبادة في رمضان ليست فقط مسير إلى المساجد بل هي إبتسامة و خلق حسن و صدقة و صيام ، و غيرها من التفاصيل الصغيرة و لكن أجرها كبير. الصيام في رمضان ليس الامتناع عن الأكل و الشرب فقط , بل هو الامتناع أيضا عن الكلام البذيء و حفظ اللسان من الغيبة و معاملة الناس معاملة حسنة و طيبة. الصيام صبر و طاعة ، الصيام فرصة للتقرب إلى ربك و ليس إلى قلوب البشر . رغم  تفاوت الناس في التفكير و الحالة الاجتماعية و النفسية ، فعندما ننظر من حولنا نحمد الله على حالنا ، فلله حكمته و هو الحكيم.

يخيم الطقس الديني كما هو متعارف عليه و تسود المودة بشكل عام ، تتجمع العائلة أكثر من مرة في اليوم الواحد على مائدة الإفطار و السحور أو بينهما. ينقسم الوقت تلقائيا بين صباح هادئ و ليل للأصدقاء أو الأهل.
  
رمضان كان ضيف يمر و نتعلم منه الدروس ، ثم أصبح ضيف يضرب به المثل من الأهل و الجميع ، و من ثم أصبح ذاك الحبيب الذي لا نطيق فراقه.

حياتنا ورقة في كتاب ، نكتب فيها ما نشاء حتى تطوى صفحتنا. و في رمضان خط قلمي أجمل الحروف على صفحاتي .

كل تجربة تكسب الإنسان معرفة و خبرة جديدة ، و رمضان أضاف الكثير لجميع من عاش هذا الشهر الفضيل. علمني شهر رمضان أن النعمة تحتاج إلى شكر والبلاء يحتاج إلى صبر والذنب يحتاج إلى استغفار ، و أن حسن الظن يريح البال دائما و يبعد الوسوسة و الشك ، و أن الدعاء راحة و تحرير من الضغوط ، و أن الصمت هو أفضل تعليق ، و أن الابتسامة سلاح قوي. علمني رمضان أن القلب كالنبتة ، ان رويتها بماء صالح و اهتتمت بها انتجت لك أفضل الثمار ، و ان أهملتها أو رويتها من ماء فاسد ذبلت. علمني أيضا أن الصادق لا يخسر أبدا. أن الابتسامة حتى و إن لم أكن سعيداً ، لعلها تسعد شخصا آخر. أن أكون قليل الضحك كثير التبسم ، قليل الحديث كثير الصمت. علمني رمضان أن التغيير تضحية في سبيل الأفضل. أن ما مضى لا يمكن تغييره ، و لكن من الممكن الاستفادة منه. أن التغيير لا يقتصر على وقت معين ، و إن كان للأفضل فالوقت دائما مناسب. علمني رمضان أنه من السيء أن تخطىء ، و الأسوأ أن تصلحه بخطأ آخر. أن أكون شامخا كالجبل ، حتى و إن صعد الآخرون على ظهري. أن أرد الطيب بالطيب و أرد الإساءة بطيب. علمني رمضان  أنه يكفيني أمل بحجم طوق النجاة ، و إن كان اليأس بحراً. علمني رمضان أن لا أجعل حبل تواصلي مع الآخرين رفيع و قصير فينقطع ، و أنه لا يمكن أن يكتمل جمال المنزل من دون الأقارب. علمني شهر رمضان الكثير فأنا مدين له.

أنرت عامنا يا رمضان ، فيا أهلاً و سهلاً.

**هذه المقالة مقدمة حصريا إلى: ثنك أب  http://thinkup.ae/we_think/article-our-guest-ramadan/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق